بوابة البحيرة

بالصور.. البحيرة تنسج الأمل بالخيوط الذهبية: صناعة السجاد اليدوي بين التراث والتحديات والطموح

في محافظة البحيرة، حيث يمتزج عبق الماضي بآمال المستقبل، تتواصل حكاية صناعة السجاد اليدوي، واحدة من أقدم وأعرق الحرف اليدوية التي لا تزال صامدة في وجه الحداثة والتكنولوجيا.

هذه الحرفة التي تحولت على مر العقود إلى مصدر دخل رئيسي لمئات الأسر، خاصة في القرى المحيطة بدمنهور، باتت اليوم تواجه تحديات ضخمة تهدد استمرارها، لكنها في الوقت ذاته تفتح أبوابًا واسعة نحو فرص تصدير واعدة، بفضل جودة المنتج التي تواكب المعايير العالمية.

هنا نغوص في أعماق هذه الصناعة، نرصد تاريخها، حجمها، مساهمتها المجتمعية، تحدياتها، ومستقبلها، معتمدين على بيانات موثقة وشهادات من صناعها.

تاريخ صناعة السجاد اليدوي في دمنهور

جذور تعود لمئات السنين

  • صناعة السجاد اليدوي في مصر تعود لعصر الفراعنة، حيث عُثر على نماذج لسجاد منسوج في مقابر قدماء المصريين.

  • في دمنهور تحديدًا، انتشرت هذه الحرفة منذ بدايات القرن العشرين، مستفيدة من وفرة صوف الأغنام والقطن عالي الجودة في منطقة الدلتا.

  • خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ازدهرت الحرفة بشكل غير مسبوق، حيث دعمتها الدولة من خلال الجمعيات التعاونية ومراكز التدريب الحرفي.

مركز إشعاع حرفي

قرى مثل “بسيون” و”زاوية غزال” و”أبو الريش” في محيط دمنهور تحولت إلى مراكز إنتاج للسجاد اليدوي.

كانت الأسر تعتمد على النول الخشبي، الذي كان يُنصب في فناء المنزل، وتشارك الأسرة بأكملها، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في العمل.

حجم الصناعة اليوم بالأرقام

بيانات من السوق المحلي:

  • تُشير تقارير وزارة التجارة والصناعة المصرية لعام 2024 إلى أن صناعة السجاد اليدوي في البحيرة توفر أكثر من 3000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

  • تُنتج الورش ما يقارب 10 آلاف متر مربع سنويًا من السجاد والكليم اليدوي.

  • تُقدر القيمة السوقية للإنتاج المحلي من دمنهور وحدها بنحو 45 مليون جنيه سنويًا.

على مستوى التصدير:

  • السجاد اليدوي المصري يذهب إلى أسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، دول الخليج.

  • في عام 2023، بلغت صادرات السجاد اليدوي من مصر نحو 65 مليون دولار، تمثل دمنهور نسبة 8% تقريبًا من هذا الرقم.

الأبعاد الاجتماعية.. حرفة تعيل آلاف الأسر

تمكين المرأة والريف:

  • أكثر من 65% من العاملين في صناعة السجاد اليدوي من النساء، خاصة في المناطق الريفية.

  • توفر الحرفة دخلًا ثابتًا للأسر، دون الحاجة لترك المنزل، مما يساعد النساء على التوفيق بين العمل ورعاية الأسرة.

شهادات من الميدان:

تقول “أم منى”، سيدة في الأربعين من عمرها تعمل في صناعة السجاد منذ 15 عامًا:
“لولا النول، ما كان لنا مصدر رزق. علّمت بناتي الحرفة، واليوم نعمل معًا في المنزل ونعيل الأسرة بالكامل.”

محاربة الفقر والبطالة:

تُعتبر صناعة السجاد اليدوي وسيلة فاعلة لمحاربة الفقر، حيث يحتاج العامل إلى تدريب بسيط، ويمكنه بدء العمل بأقل رأس مال ممكن.

جودة السجاد.. هل ينافس عالميًا؟

المعايير العالمية التي يتميز بها السجاد اليدوي في دمنهور:

  1. الخامات الطبيعية:
    يُستخدم الصوف المصري المعروف بجودته، وأحيانًا الحرير، مع صبغات طبيعية مقاومة للبهتان.

  2. الدقة في التفاصيل:
    تصل كثافة العقد إلى 120 عقدة في البوصة الواحدة في بعض الأنواع الفاخرة، مما يعطيه متانة استثنائية.

  3. تصاميم ذات طابع مصري مميز:
    دمج بين النقوش الفرعونية والإسلامية، والزخارف البيئية من دلتا النيل.

تقييمات عالمية:

  • حصلت بعض الورش من دمنهور على شهادات جودة من اتحادات الحرف العالمية.

  • تُعرض منتجاتهم في معارض عالمية مثل DOMOTEX ألمانيا وINDEX دبي.

التحديات الكبرى أمام الصناعة

  1. ارتفاع أسعار المواد الخام:
    خلال آخر 5 سنوات، ارتفعت أسعار الصوف بنسبة 45%، مما أثر على هامش الربح.

  2. نقص العمالة المدربة:
    جيل الشباب يعزف عن تعلم الحرفة، معتبرًا إياها عملًا مرهقًا وأقل عائدًا من الوظائف الحديثة.

  3. ضعف التسويق الإلكتروني:
    أغلب الورش لا تمتلك مواقع إلكترونية أو قدرة على التسويق عبر الإنترنت.

  4. المنافسة مع المنتجات الآلية:
    السجاد الصناعي أرخص بثلاثة أضعاف، رغم انخفاض جودته مقارنة باليدوي.

  5. غياب التمويل:
    قلة القروض الميسرة أو الدعم الحكومي يعوق توسع الورش الصغيرة.

فرص النمو والتوسع.. كيف نُعيد إحياء الحرفة؟

مقترحات عملية:

  1. إنشاء مدينة صناعية للسجاد اليدوي في البحيرة تشمل ورشًا، مركزًا للتدريب، ومعارض للبيع.

  2. دعم حكومي بتوفير الخامات بأسعار مدعومة.

  3. التوسع في البيع الإلكتروني:
    إطلاق منصات على غرار “إتسي” (Etsy) لتصدير السجاد عالميًا.

  4. برامج لتدريب الشباب، خصوصًا في الجامعات الفنية.

  5. الترويج للسياحة الحرفية:
    فتح الورش للزوار الأجانب لتجربة صناعة السجاد يدويًا بأنفسهم.

نماذج نجاح

  • ورشة “زهرة النول” في دمنهور:
    تديرها مجموعة من النساء، تمكنت من تصدير منتجاتها إلى فرنسا وألمانيا، وتحقق أرباحًا سنوية تتجاوز 2.5 مليون جنيه.

  • جمعية الحرفيين بدمنهور:
    أطلقت برنامجًا لتدريب أكثر من 500 شاب وشابة سنويًا، مع دعم مادي لبدء مشروعاتهم.

بين الخيوط والألوان، تُنسج قصص الحياة في دمنهور. صناعة السجاد اليدوي ليست مجرد مهنة، بل حكاية صمود وإبداع وارتباط بالجذور. ومع الدعم المناسب، يمكن لهذا القطاع أن يتحول من صناعة تواجه الانقراض إلى قصة نجاح عالمية تصدر الفن المصري إلى كل بيت في العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى